عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
139
اللباب في علوم الكتاب
وقوله : « فتصبح » استدل به بعضهم على أن الفاء لا تقتضي التعقيب ، قال : لأن اخضرارها متراخ عن إنزال الماء ، هذا بالمشاهدة . وأجيب عن ذلك بما نقله عكرمة من أن أرض مكة وتهامة على ما ذكروا أنها تمطر الليلة فتصبح الأرض غدوة خضرة ، فالفاء على بابها « 1 » . قال ابن عطية : شاهدت هذا في السوس « 2 » الأقصى نزل المطر ليلا بعد قحط فأصبحت تلك الأرض الرملة التي نسفتها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف « 3 » . وقيل : تراها « 4 » كل شيء بحسبه « 5 » ، وقيل : ثم جمل محذوفة قبل الفاء تقديره : فتهتز وتربو وتنبت ، بيّن ذلك قوله تعالى : « فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ » « 6 » وهذا من الحذف الذي يدل عليه فحوى الكلام كقوله تعالى : « فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا « 7 » الصِّدِّيقُ أَفْتِنا » « 8 » إلى آخر القصة . و « تصبح » يجوز أن تكون الناقصة وأن تكون التامة « مخضرّة » حال قاله أبو البقاء « 9 » . وفيه بعد عن المعنى إذ يصير التقدير فتدخل الأرض في وقت الصباح على هذه الحال . ويجوز فيها أيضا أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة بهذا الزمن الخاص ، وإنما خص هذا الوقت لأن الخضرة والبساتين أبهج ما ترى فيه ويجوز أن تكون بمعنى تصير . وقرأ العامة « مخضرّة » بضم الميم وتشديد الراء اسم فاعل من اخضرّت فهي مخضرّة ، والأصل مخضررة بكسر الراء الأولى فأدغمت في مثلها . وقرأ بعضهم « مخضرة » بفتح الميم وتخفيف الراء « 10 » بزنة مبقلة ومسبعة . والمعنى : ذات خضروات وذات سباع وذات بقل . ثم قال : « إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ » أي : أنه « 11 » رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به ، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة ، والسماء إذا أمطرت كان ذلك سببا لعيش الحيوان أجمع . ومعنى « خبير » أي ؛ عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك
--> ( 1 ) انظر تفسير ابن عطية 10 / 314 . ( 2 ) السّوس : واد في جنوب المغرب 180 كم ، ينبع في سفح طوبقال بالأطلس الأعلى . المنجد في الأعلام ( 314 ) . ( 3 ) تفسير ابن عطية 10 / 314 - 315 . ( 4 ) في الأصل : تراخى . وهو تحريف . ( 5 ) وذلك أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب في كل شيء بحسبه ، نحو جاء زيد فعمرو ، أي عقبه بلا مهلة ، ويقال : تزوج فلان فولد له . إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل . ودخلت البصرة فبغداد ، إذ لم تقم في البصرة ولا بين البلدين . ومنه قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً المغني 1 / 16 - 162 ، الهمع 2 / 131 . ( 6 ) [ الحج : 5 ] . ( 7 ) أيها : سقط من ب . ( 8 ) [ يوسف : 45 ، 46 ] . ( 9 ) التبيان : 2 / 947 . ( 10 ) تفسير ابن عطية 10 / 315 ، البحر المحيط 6 / 387 . ( 11 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 63 .